|
|v أهَذا هُوَ الحُبُّ؟! v|
منذ
أنْ خُلقتُ وأصبحتُ أعِي ما حولي سمعتُ عنِ الحبِّ والعشقِ والهوى وتأثّرتُ
بعديدِ العُشّاقِ. مِنْ هؤلاء، على سبيلِ المثالِ، قيسٌ وليلى أو رُوميو وجوليات أو عنترةُ وعبلة وغيرهم... وسمعتُ عنْ قوّةِ الحبِّ في
خلقِ المعجِزاتِ وكسْرِ كلِّ القوانينِ والعاداتِ الّتي تقفُ بوجهِ العُشّاق.
وكان لي يقينٌ أنَّ لِلحبِّ أساليبَ خاصّةً لِتبادُلِ مشاعرِ الفرح والسّعادة.
كنتُ أظنُّ أنّ الحبَّ هو الشّيءُ الوحيدُ الّذي خُلقتْ مِنْ أجلِه الحياةُ. وطالما
اعتقدْتُ أنَّ كلَّ البشرِ يَعيشون قِصَصَ حُبٍّ ناجحةٍ لا دموعَ فيها ولا أحزانَ
ولا فراقَ. لكنّي، دونَ سابقِ إنذارٍ، أيقنتُ أنّ الحبَّ لعنةٌ إلاهيّة وعقابٌ
ربّانيّ. بل هو أبشعُ عقابٍ.
كثيرا
ما أحببْنَا مَنْ ليسُوا لنا، وبَذلْنا أقصَى جُهدِنا لِنُلفتَ انتباهَهم ونحنُ
مُتيّمُون بهم. ولكنْ دونَ جدوَى. كمْ مرّةً أحببْنَا وأخفيْنَا حبَّنا كيْ لا نُذَلَّ
أو ربّما كيْ لا نتعرّضَ إلى نظرةِ الرّحمةِ والشّفقةِ الّتي طالما رأينَاها في
عيُونِ الأصدقاءِ والمقرَّبين أو أفرادِ العائلة. فما أقسَى تلك النّظرةَ! وما أبشعَها!
صِدْقًا أختارُ الموتَ على تلك النّظرةِ الّتي تُجرِّد الإنسانَ مِنْ إنسانيّتِه
وتُـجرّدُه مِنْ قيمتِه الحقيقيّةِ. فحتّى أبسطُ المواقفِ الّتي تبدُو لنا جميعا
أمْرا بديهيّا وعاديّا ونكون في قرارةِ أنفسِنا واعينَ بأنّها تافهةٌ بلْ
مُعترِفين بأنّها أقلُّ مِنَ التّافهة، تَتجلّى لنا عندما يقوم بها مَنْ نُحبُّهم
في مُنتهَى الجَمالِ: تبرزُ كأنّها أحداثٌ لا تتكرّرُ، كأنّها أُنْـجِزتْ لِتُعبِّرَ
لنا عنْ مدى حبِّهمْ لنا وعنِ المشاعرِ الّتي يَكُنُّونها لنا. ونحن نعترفُ أنّنا
سَعيْنا إلى الاهتمامِ بالنّاسِ الخطأِ الّذين يَعمدُون دائما إلى تَجاهُلِنا ويُحاولون
إحباطَنا وتَعْكيرَ يومِنا بالتّفكيرِ فِيهم. فكمْ مِنْ مرّةٍ نَشغلُ تفكيرَنا بِأشخاصٍ
مّا سرّا أو علانيةً. ونحن في المقابل لا نعنِـي لهم شيئا. نرغبُ في وصْلِهم
دائما. ولكنْ كأنَّ مانِعا في داخلِنا يمنعُنا قائلا: «كفَى
مذلّةً». نعم إنّها المذَلّةُ بعينِها. عندَما
نهوَى مَنْ ليس لنَا ونُحاولُ بشتّى الطّرقِ إقناعَ أنفسِنا بأنّه يُـحبّنا مَذلّةٌ
وظلمٌ لِلنّفسِ. فكفَى تبريرًا لِتصرّفاتِنا الخرْقاء حتّى لا نتعذّبَ هدَرا ونُرهقَ
أنفُسَنا في عناءٍ لا فائدةَ منه. كثيرا ما نشتاقُ إلى وصْلِ نَاسٍ انقطعتْ
علاقتُنا بهم. لكنّني أتذكّرُ قولَ أحمد شوقي: «هجرتُ
بعضَ أحبَّتِـي طوْعًا لأنّنِـي رأيْتُ قُلوبَهم تهوَى فِراقِي. نعمْ، أشْتاقُ.
لكنّني وَضعْتُ كرامَتي فوقَ اشتياقِي. أرغبُ في وَصْلِهم دوما. ولكنّ طريقَ الذّلِّ
لا تهواهُ ساقِي». وأنا شخصيّا
أعتبرُ هذه المقولةَ قُدوةً أهتدِي بها طوالَ حياتي. فلماذا نشتاقُ ونهوَى مَنْ
يَستمتعُون بفراقِنا؟! طالما انتميْنَا إلى الأشخاصِ الّذين يَتعمّدُون خلقَ الأكاذيبِ
لا لشيء سوى لِيطمئنّوا على أحوالهم. وننكرُ أنّنا تَـمنّيْنا دوما أنْ يكونُوا
همْ مَنْ يسألون عن أحوالِنا. لكن، للأسفِ، 'تجرِي
الرّياحُ بما لا تشتهِي السّفنُ'. فليستْ كلُّ
الأماني مُـحقَّقةً. إنّنا أيضا بشرٌ نَستحقُّ بعضَ الاهتمامِ والتّقديرِ. لِـمَ
نحن دائما مَنْ يهتمُّ؟ لِـمَ نحن دوما مَنْ يَسألُ ويَنْشغلُ بالُه؟ فمَنْ غاب
عمدا نِسيانُه واجبٌ.
حتّى
الأغاني والرّواياتُ كلُّها تنقلُ لعنةَ الحبِّ والعذابِ النّاتجِ عنه. فلا تُوجد
قصّةُ حبٍّ بلا مشاكلَ وعذابٍ. لكنْ، لماذا
العذابُ؟! ولماذا الحبُّ والهوى اللّذان لا فائدةَ منهما سوى الدّموعِ والأحزانِ؟!
أودُّ،
في نهاية المطاف، أنْ أقولَ: أنا آسفةٌ لأنّني اشتقتُ إليهم وأحببتُهم كثيرا بلْ
أكثر مِـمّا ينبغِي. أنا آسفةٌ لأنّني انتظرتُ كلَّ يومٍ أنْ أراكُمْ، لأنّني
دائما أفَكّرُ فيكمْ قبل النّومِ، لأنّني يُراودُني الشّعورُ بالحزنِ إذا لم أُبصِرْكم،
لأنّني أمِلْتُ في أنْ أجعلَكم سعداءَ، لأنّني توقّعتُ أنْ تكونُوا جزءا مِنْ
حياتي، لأنّني حاولتُ أنْ أجعلَكم تبتسِمُون ولوْ على حسابِي. أنا آسفة كلَّ
الأسفِ لأنّني اعتقدتُ أنّكم أحببتمُوني.
الابتسامةُ
الزّائفةُ: ما الابتسامةُ سوى مخادَعةٍ وكذبٍ. فكثيرا ما نبتسمُ ونحن نخفِي أحزانا
ودموعا. نبتسمُ لا لشيءٍ سِوى للتّفاؤُل. وغالبا ما يتخيّلُ البعضُ أنّنا نبتسمُ
بفضلِ السّعادةِ المفرطةِ الّتي نعيشُ فيها. وقد يتوهّمونَ الابتسامةَ عنوانَ
تحقيقِ الأهداف والذّات. بيد أنّنا طالما ابتسمْنَا كي نُـخفِي آلامَنا. فلماذا
نُشْعرِكم بحزنِنا أو بتعاستِنا؟ وحتّى لو فعلْنَا ذلك، ماذا ستصنعُون مِنْ أجلِنا؟
هل ستقطفُون جزءا مِنْ سعادتِكم وتُلقُون بها في قلوبِنا كي نبتسمَ مِنْ أعماقِنا؟!
أم هل أنتم الرّبُّ الّذي سيرحمُنا؟!
كنتُ
قد قرأتُ أنّ الّذين لا تُفارقهم الابتسامةُ هم ناسٌ مُعذَّبون ويُخفون أوجاعَهم
بشتّى الطّرقِ. لكنّني لم أُصدِّقْ هذا الخبرَ. وبدا لي كأنّه نادرةٌ أو أكذُوبةٌ.
واليومَ أيْقنتُ، للأسفِ الشّديدِ، صحّةَ ذلك. فكم مرّةً ابتسمتُ ودموعِي على وشَكِ
الانْهيار! وكم مِنِ ابتسامةٍ تُـخفِي آهًا وبحرا مِنَ الجروحِ والدّموع! فرِفْقا
بقلوب تتألّمُ ولا يعلمُ بآلامِها إلاّ اللهُ عزّ وجلّ.
| فاطمة بن سالم، 3 آداب
1، ديسمبر
2017
|
|
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق