الأربعاء، 9 مايو 2018

خاطرة: "لنْ أنسَى ألمي"، ياسمين بن جدّو، 3 آداب 1.


õv لَنْ أنْسَى ألَمِي võ
لا شيءَ محزنٌ ومؤسفٌ ومؤلمٌ أكثر مِن العنف. ذاكَ العنفُ الّذي تُـمحَى آثارُ جروحِه لكنْ لا تُـمحَى آثارُ أحاسيسِه... العنفُ الّذي بقدرِ ما ننسَى ألـمَنا مِنه، نتذكّره لحظةً بلحظةٍ لأنّه تسبّبَ لنا في ألمٍ... ألمٍ كبيرٍ...كبيرٍ جدّا.
فالقلبُ بكَى وتألّمَ، والعينُ ذرفتْ دموعَها، واللّسانُ شكا مِن 'آهٍ' تلو الأخرى... لكنْ لا أحدَ أنْـجاكَ مِن العذابِ... تُعنَّفُ، وتبكِي، وتتألّم. وتَـمرُّ الأيامُ. لكنّنا لا ننسَى.
كمْ أنتَ مؤلمٌ، أيّها العنفُ! وكمْ أنتَ ظالمٌ، أيّها الـمُعنِّفُ! وكمْ نحن مساكينٌ لنرضَى بالألمِ!
خَلّفتَ لي كُرها. خَلّفتَ لي ألـمًا لا يُـمحَى. خَلّفتَ لي قوّةً. خَلّفتَ لي حِقدا. كتبتُ كلماتِي بقلمٍ يجرفُ الدّموعَ والضّعفَ والأسَى ويروِي مُعاناةً مِن العنفِ والوجَعِ.
لنْ ننسَى وجعَنا يومًا. لكنْ لنْ يظلَّ للعنفِ مكانٌ بيننا بعدَ الآنَ.
õ ياسمين بن جدّو، 3 آداب 1، ماي 2018 õ


ورودٌ ربيعيّة، تونس 2018، عدسةُ: فوزيّة الشّطّي.

السبت، 5 مايو 2018

خاطرة: "العمرُ الضّائعُ"، ندى رزوقة، 3 آداب 1.


v| العُمرُ الضّائِعُ |v
السّاعاتُ والأيّامُ والسّنواتُ كلُّها تمرُّ على نفسِ الوتيرة، لا يتغيّرُ منها سوى تاريخِ اليوم والسّنة. أمّا الحياةُ فتظلُّ كما هي. وأمّا النّاسُ فيتغيّرون. ولكنْ هذا ليس ذنبَ الحياة. فهي لا تستحقُّ منّا كلَّ هذا اللّومِ والقسوة. لقد انتهَى زمنُ الصّديق وقتَ الضِّيق. وأصبحنا في زمنٍ كلَّ ضيقٍ تخسرُ صديقا.
إنّ الذّنبَ ذنبُنا لأنّا نثقُ في ناسٍ ونضحّي مِن أجلهم ونهتمُّ بهم ونجعلُهم أهمَّ ما في حياتنا. بيْد أنّهم في الحقيقةِ لا يستحقّونَ ولو قليلا مِن هذه التّضحيةِ وهذا الاهتمامِ. فكلّما نثقُ بهم يخذلونَنا. ونحنُ، للأسفِ، نُعيد الثّقةَ فيهم. ليس ذاك إلاّ لأنّنا نحبُّهم ولا نريدُ خسارتَهم.
وهناك ناسٌ آخرون طيّبون. بَيْدَ أنّا لا نعرفُ قيمتَهم إلاّ بعدَ أنْ نَخسرَهم مِن أجل أشخاصٍ خانُونا وتَـخلّوْا عنّا منذ بدايةِ الطّريق. الغَلطُ هو أنّا نُعطِي للشّخصِ أهمّيّةً أكثرَ ممّا يَستحقُّ. وهذا ما يُنسِيه قيمتَه الحقيقيّةَ.
هكذا يمرّ العمرُ الضّائعُ بين أشخاصٍ يَدّعُون كذِبا أنّهم يحبُّوننا وأشخاصٍ يحبّوننا حقّا دون أنْ نُدركَ ذلك إلاّ بعد فواتِ الأوان. وفي النّهايةِ نظلّ وحِيدين وحدةً قاسِية.
v| ندى رزوقة، 3 آداب 1، مارس 2018 |v

قرنفلتي، ماي 2018، عدسةُ: فوزيّة الشّطّي.

الجمعة، 4 مايو 2018

خاطرة: "ما الّذي دَهانِي؟"، أسماء الرّبعاوي، 2 آداب 2.


{ مَا الّذِي دَهَانِي؟! {
لم أعدْ أُبالي بشيءٍ. فقد تغلغلَ الحزنُ في داخِلي. وعانقتْ روحِي أحضانَ الاكتئاب. لم أعُدْ أهتمُّ لما يجدُّ مِن حولي. لم أعُدْ أُجهِد نفسي بِعناء التّفكير فيما سيحصلُ أو في مصِيري. أغلقتُ أبوابَ التّفاؤل. ومَسحتُ أناملَ الفرحِ. وجعلتُ لنفسي سِجنا بين ضُلوع اليأس. لم يَعُدْ هذا الواقعُ يَروق لي. لم تَعدْ إشراقةُ الشّمس وغروبُها يَعنيان لي شيئا. فأيّامي مُتشابهةٌ، لا جديدَ فيها ولا معنَى لها. أعيشُ في دُوّامةٍ لا بدايةَ لها ولا نهايةَ. لستُ أعلمُ متى سينتهِي كلُّ هذا الـهُراءِ. لا أدْري متى سأستيقظُ مِن هذا الشُّرود وأستأنفُ حياتي بطَعمٍ جديد. لا أعلمُ كيف ستكونُ نهايتي وإلى متى سأظلُّ على هذه الحالِ. أصبحَ المستقبلُ يُـخيفني، والماضي يُؤرّقني، والحاضرُ يقتلنِي رُويْدا رُويدا.
لستُ أدري ما العملُ! ما أعلمُ سوى أنّني مللتُ هذه الحالَ. ما أعرفُه هو أنّي أشتاقُ إلى التّغيير. ما أُدركُه هو أنّي أتلّهفُ إلى حياةٍ أكثرَ انتعاشا وحَراكا وحبّا. لكنْ لا أجدُ إلى التّفاؤل طريقا. فكلُّ تعابيرِ وجهي تلاشتْ. ولم يبقَ إلاّ العبوسُ مرسومًا حولَ عينيْن ذابلتيْن شاردتيْن مُتعبتيْن. لم تَبْقَ إلاّ ابتسامةٌ التهمَها وحشُ الاكتئابِ وتركَها خافتةً كاذبة تُـحْتَضرُ بين أيادِي البُؤس واليَأس وترتسِمُ على وجهٍ شاحبٍ مُصفرٍّ. لم تَبْقَ إلاّ روحٌ أنْهكها الهروبُ مِنْ هذا الواقعِ البائس تُحاول جاهدةً التّغييرَ. لكنَّ وحوشَ الاكتئابِ فَتكتْ بها واغتصبتْ كلَّ معانِي السّعادةِ والتّفاؤل والسّرور منها لتدَعَها تتخبّطُ بين جدرانِ الحزن وأسْوارِ الإحباط. أمّا الجسمُ فيُوشكُ أنْ يكونَ جثّةً بلا روحٍ.
كلُّ هذه المشاعرِ والأحاسيسِ الـمُزْريةِ تخلقُ بداخلك فراغًا عميقا، فراغًا لا تكادُ تكونُ له نهايةٌ. حتّى إنّك تشعرُ كأنَّ بين أضْلاعك وفي شرايينِك شيءٌ مّا ينقصُك، شيءٌ مّا لم تَستطع الحصولَ عليه، شيءٌ مّا لا تدرِي بالضّبطِ ما هو. لكنْ تعلمُ أنّه سرُّ سعادتِك المسروقةِ، سرُّ راحتِك وتفاؤلِك ودوائِك مِن حالتك تلك. بَيْدَ أنّك لا تدري أين تعثرُ عليه. فهل يكونُ شيئا روحانيّا؟ أمْ هو شخصٌ مّا أَفتقدُ وجودَه؟ هل هو جزءٌ منّي؟ أمْ هو عنصرٌ مِن عناصرِ هذا الكونِ الشّاسع؟ هل أنا الوحيدةُ الّتي تشعرُ بكلِّ هذا الضّياع؟ أمْ إنّ جميعَ النّاسِ مثلي وإنْ كانُوا يُخفون حقيقتَهم خلف قناعِ الابتسامة وتَصنُّعِ السّعادة؟ هل هذا حالُ الجميع؟ أمْ هي حالةٌ نادرة يُبتلَى بها شخصٌ وحيدٌ؟ هل إنّ كابوسَ الشّرودِ والإحباطِ والاكتئابِ هذا سيَدعُنِي وشأنِي يوما مّا؟ أمْ إنّه قَريني الأبديُّ؟!
{ أسماء الرّبعاوي، 2 آداب 2، ماي 2018 {

زهورٌ ربيعيّة، ماي 2018، عدسةُ: فوزيّة الشّطّي

الأحد، 8 أبريل 2018

شعر: "فِي وادِي المَوْت"، نزار الجويني، 3 آداب 2.


v{ فِي وَادِي المَوْتِ {v
فِي وَادِي الـمَوْتِ سَارَ الرِّفَاقْ
اِنْطَلَقْنَا فِي طَرِيقٍ لاَ رِجْعَةَ مِنْهُ
اِنْطَلَقْنَا فِي طَرِيقٍ لاَ يَعُودُ مِنْهُ السَّائِرُونْ
اِنْطَلَقْنَا فِي الفَجْرِ البَهِيجِ بِلاَ خَوْفٍ مِنَ اللَّيْلِ السَّحِيقْ
اِنطَلَقْنَا فِي الطَّرِيقِ بِلاَ وَدَاعٍ لِلْحَبِيبِ، لِلْعَزِيزْ
اِنْطَلَقْنَا بِكُلِّ ثِقَةٍ فِي قَائِدِنَا الحَكِيمْ
لَـمْ نَـخَفْ مِنْ ضَلاَلِ الطَّرِيقْ
لَـمْ نَـخَفْ إِلاَّ مِنْ ضَيَاعِ الحُلْمِ الـمَجِيدْ
لَـمْ نُشَكِّكْ فِي قَائِدِنَا حَتَّى بَعْدَ أَنْ طَالَ الطَّرِيقْ
لَـمْ نَـحْفَلْ بِأَصْوَاتِ الفَوْضَى وَالتَّمَرُّدْ
لَنْ نُفَكِّرْ فِي الخِيَانَةِ حَتَّى لَوْ كَانَ هَذَا الـمَصِيرَ الأَخِيرْ
جَلَسَ الزَّعِيمُ يُسَرِّحُ البَصَرَ فِي الطَّرِيقْ
صَوْتٌ تَفَجَّرَ فِي أَنْفُسِ الرِّفَاقِ: مَا الـمَصِيرْ؟
فِي لَـحْظَتَيْنِ مِنَ الزَّمَنِ شَكَكْنَا فِي الزَّعِيمْ
وَلَكِنَّ التَّدَارُكَ كَانَ سَرِيعْ
وَأَوْقَفْنَا الزَّعِيمْ
لِنُكْمِلَ الطَّرِيقَ فِي الدُّرُوبْ
سَـمِعَ الزَّعِيمُ وَقْعَ خُطَى الرِّفَاقْ
تَيَقَّنَ أَنْ لاَ رُجُوعَ، أَنْ لاَ مَفَرَّ إِلاَّ الـمُضِيُّ قُدُمًا
اليَوْمَ نُوَاصِلُ الطَّرِيقْ
اليَوْمَ نَسِيرُ فِي وَادِي الـمَوْتِ السَّحِيقْ.
{ نزار الجويني، 3 آداب 2، أفريل 2018 {


زهورٌ، عدسة: فوزيّة الشّطّي

الأحد، 25 مارس 2018

مقال: "بِمَ أفكّرُ؟"، سلمى خالدي، 3 آداب 2.

ÿ بِمَ أُفكِّر؟ ÿ
لعلّني الآن تحديدا أفكِّر في الموضوع الّذي يَهمُّ بعضَ النّاسِ ويُعتبر تافها لدى البعضِ الآخر. ولكن كمْ شخصًا تساءلَ عنْ كَمْ مِنْ حياةٍ نحيا؟! المزعجُ في الموضوع هو أنّنا نعيشُ حياةً واحدة. والأكثرُ إزعاجا هو أنّنا نقضِيها في ستِّ (6) سنواتِ دراسةٍ في الابتدائيّ وثلاثِ (3) سنواتٍ في الإعداديّ وأربعِ (4) سنواتٍ في الثّانويّ إضافةً إلى عددٍ آخرَ لا مُتناهٍ من السّنوات في الجامعةِ.
المشكلةُ ليستْ في الدّراسة. إنّـما في كيفيّةِ الدّراسة وكمّيّتِها. أوّلا: نحنُ نستقبلُ عامَنا الأوّلَ بِالامتحانات أيْ بِبرمـجةِ عقلِ التّلميذ على تعلُّمِ العملِ تحت الضّغط وفي ضيقِ الوقت، في حين أنّه في بلدانٍ أخرَى يستقبلُ التّلميذُ سنواتِه الثّلاثِ الأولى في دراسةِ مادّةٍ فقط، وهي الأخلاقُ. فنجدُ جيلا مُتقدِّما بثلاثِ سنواتٍ مِنَ الدّراسةِ وإعمالِ العقل مُتأخِّرا عن الـمُتأخِّرين بتلك السّنوات. ليس الهدفُ هو المقارنةُ، إنّما إبرازُ نسبةٍ صغيرة مِن الجهلِ. ثانيا: على التّلميذِ أنْ يختارَ شعبتَه أو اختصاصَه منذ المرحلةِ الإعداديّةِ. فلا يتوجّبُ عليه دراسةُ الموادِّ العلميّة بضاربٍ قويّ في حين أنَّ ميولَه أدبيّةٌ أو العكس. والمشكلُ الثّاني في نظامِ الـ 'إمّا الإفراطُ وإمّا التّفريطُ' هو أنّه حين يختار التّلميذُ شعبةً أدبيّة تُلغى نهائيّا الموادُّ العلميّةُ أيْ يحدثُ ركودٌ لِلعقل ونقصٌ في الثّقافةِ العامّة أوّلا. ثمّ ماذا عن الإحدَى عشرةَ (11) سنةً الّتي أدرسُ فيها الرّياضيّات والعلوم الطّبيعيّة وغيرها ثانيا؟ هل انتهتْ بكلِّ بساطة؟! هذا إضافةً إلى الشُّعب العلميّة الّتي يتوجّبُ فيها حفظُ لا أدري كمْ صفحةً لإجراءِ فرضِ تاريخٍ. الغريبُ في الأمر هو أنْ لا شيءَ مِنْ هذه 'الثّقافة' يرسخُ في الأذهانِ. والعجيبُ هو أنّ الثّقافةَ العامّةَ أُعطيتْ لمثل هذه الشّعبِ. أمّا شعبةُ الآداب فـ 'إلى الجحيم'.
الحلُّ، حسْبَ رأيْي، هو: تركُ الموادِّ العلميّةِ في الشُّعب الأدبيّة، ولكن بضاربٍ خفيف وتقليلُ كمّيّةِ دروسِ الموادّ الأدبيّة بالنّسبة إلى الشُّعب الأخرى وتبسيطُ الفروضِ على طريقة الـQCM  (هو امتحانٌ يتضمّنُ مجموعةَ أسئلةٍ، مع كلِّ سؤالٍ منها مجموعةُ أجوبةٍ على التّلميذِ اختيارُ الإجابةِ الصّحيحة) مثلا.
لعلّ ما قلتُه سابِقا لا يمثِّلُ إلاّ جزءًا صغيرا مِن سلبيّات كيفيّةِ الدّراسة. نواصلُ الآن مع مشكلِ الكمّيّةِ. فهل مِنَ المعقولِ أنْ يدرسَ التّلميذُ مِن الثّامنةِ (8) صباحا الى الخامسةِ (5) مساءً؟ هذا تكديسُ كمٍّ هائلٍ مِن الدّروسِ في يومٍ واحد فقط. الأدهَى والأمرُّ هو أنّ أغلبَ الأساتذةِ يَطلبون منّا إنجازَ التّمارين والبحوثِ والمقالات لِليوم الموالي. النّتيجةُ درستُ ثمانِي (8) ساعاتٍ في اليوم، وارتحتُ ساعةً فقط؟ فغيرُ مهمٍّ أنْ تكونَ لديك هوايةٌ أو نشاطٌ مّا؟! غيرُ مهمٍّ أيضا أنْ تريدَ النّومَ والرّاحةَ كأيِّ إنسانٍ عاديّ؟! المهمُّ هو المهمُّ ألاَّ تتأخّرَ في المجِيء وألاّ تتغيّبَ بحجّةِ المرض. هل يمرضُ الإنسان؟! طبعا لا. هل تعانِي شركاتُ النّقلِ العظيمةُ لديْنا مشاكلَ التّأخير؟ طبعا لا.
لِلأسفِ نحن التّلاميذَ، نعانِي عدّةَ صعوباتٍ وضغوطٍ. والمطلوبُ ألاّ ننفعلَ وأنْ نقبلَ الوضعَ السّائدَ كما هو. علينا قبولُ إضراباتِ الأساتذة وحجبِ بطاقات الأعداد برحابةِ صدرٍ. فكلُّ هذا التّمرّدِ، حسْب كلامهم، مِنْ أجلِ مصلحةِ التّلميذ. ولكن، عذرا، هل تذكّرتم المعاناةَ المأساويّة للتّلميذ الآن؟ كفانا تشويها للحقيقة. الإصلاحُ يجب أن يكونَ مع الأجيال القادمة. أمّا نحن، 'فئرانَ تجاربِ' هذا الجيلِ فقد اكتفيْنا، رجاءً.
ÿ سلمى خالدي، 3 آداب 2، مارس 2018 ÿ


زهورٌ برّيّة، تونس، مارس 2018، عدسة: فوزيّة الشّطّي

الأحد، 11 مارس 2018

مقال: "النّسيانُ"، فاطمة بن سالم، 3 آداب 1.



{v النِّسْيَانُ v{   
النّسيانُ! طالما سمعْنا عنْ هذه الكلمةِ وعمّا لها مِن تبعَاتٍ إيجابيّةٍ على صحّةِ الإنسانِ وحالتِه النّفسيّة. كنّا دائما ننصتُ للنّاس وهمْ يَتحدّثون. ثمّ يتطرّقون، دونَ وعيٍ، إلى النّسيان. فالبعضُ يظنّ أنّ الإنسانَ يستطيعُ أنْ ينسَى أيَّ تجربةٍ مرَّ بها مهما كانتْ تفاصيلُها وأحداثُها.
لكنْ هذا، حسْب رأيي، خطأٌ كبير. فالإنسانُ لا ينسَى تجربةً أخذتْ منه وقتَه وصحّتَه وعكّرتْ مزاجَه أيّاما وربّـما شهورا أو حتّى سنوات. ثمّ يعودُ، بين ليلةٍ وضُحاها، كما كان في الأوّل، يبتسمُ، ويُـمارسُ طقوسَه اليوميّةَ بكلِّ ثقةٍ ودونَ خوفٍ مِنَ المستقبل ومنْ تتكرُّرِ تفاصيلِ تجاربه السّابقة القاسية.
إنَّ الإنسانَ لا ينسَى بل يتناسَى أو يتظاهرُ بالنّسيانِ. وذلك لِيتمكّنَ مِن الوقوفِ على قدميْه مرّةً أُخرى وليستطيعَ إكمالَ طريقِه وتبليغَ رسالتِه. فلِكلٍّ منّا رسالةٌ جاءَ مِنْ أجلِها إلى هذا العالم. فما أجملَ النّسيانَ عندما تغيبُ الظّنونُ ويبقَى النّسيانُ فصلا من تفاصيلِ الحياة المملّة المرهِقة. فنُدركُ أنّنا بدأْنا ننسَاهم حينما صارتْ الأغنياتُ والرّقصاتُ والألوانُ الزّاهية تروق لنا، حينما لم نعدْ نتذكّرُ حوارَنا الأخيرَ معهم. نحن نتجاوزُ تجاربَنا الماضيةَ كما لو أنّنا نمشِي حُفاةً على زجاجِ الأرض.
لِلنّسيانِ فضلٌ في إسقاطِنا مِنْ أجندةِ ذِكرياتِنا. فرغمَ صعوبتِه وقسوتِه واستحالتِه في بعض الأحيان، يبقى الحلَّ الأمثلَ لكلِّ تجاربِنا البائسة.
فسُبحانَ خالقِي في كرمِه ورحمتِه بنا.
{ فاطمة بن سالم، 3 آداب 1، مارس 2018 {




زهورٌ ربيعيّة، تونس، عدسةُ: فوزيّة الشّطّي

السبت، 10 مارس 2018

خاطرة: "لَولاَ خَيالِي"، عايدة الزّغلامي، 2 آداب 2.


 |J لَوْلاَ خَيَالِي J|
لَولاَ خيالِي لَمَا كُنْتُ مبتهِجةً.
لَولاَ خيالِي لَمَا اسْتطعتُ التّأقلُمَ مع واقعٍ مُثيرٍ لِلشّفقةِ.
لَولاَ خيالِي لَمَا اسْتطعتُ أنْ أرسمَ طريقًا مُنِيرا داخلَ ظُلماتِ الحياة.
لَولاَ خيالِي لَمَا نِـمْتُ مُتفائِلةً أرَى الغدَ أجملَ.
لَولاَ خيالِي لَمَا تَوقّعتُ مُستقبَلاً مُزهِرا.
لَولاَ خيالِي لَمَا فَتّحتُ آفاقًا في حياةٍ بائِسةٍ يملأُها الحزنُ والتّعاسةُ.
خَيالِي هو طريقِي نحوَ إيجابيّةٍ مُطلَقةٍ.
فَلولاَ خياليِ...
| عايدة الزّغلامي، 2 آداب 2، مارس 2018 |


السبت، 3 مارس 2018

شعر: "لمّا رأيْتُك..."، ياسمين بن جدّو، 3 آداب 1.



v{ لَمّا رَأيْـتُـكَ... {v
رَأيتُكَ مِنْ بَعِيد
ولَيْتَ البعِيدَ قرِيب
لَمَحْتُكَ في الحينِ
فَجُنِنْتُ بِكَ في كلِّ حينٍ وحِين
عَشِقتُكَ مِنْ نظرةٍ أُولى.
وكمْ في العِشقُ مِنْ جُنُون!
حَتّى لوْ عينِـي وعينُك لا تلتقيَان
فقَلْبي بِـحبِّكَ مُغرمٌ
وعَينِـي في جَـمالِك تَسْرحُ.
في كلِّ زمانٍ وكلِّ مَكان
صُورتُكَ مرسومةٌ في الواقعِ وفي الخيَال
فلا المسافاتُ تُنسينِـي حبَّك
ولا النّاسُ يُلْهُونَنِـي عَنْ غَرامِك
أنتَ رُوحٌ ساكنةٌ في جسدِي
رُوحٌ تَصْحبُنِـي وَقْتَ فراغِي، وَقْتَ انْشغالِـي
وقتَ فرحِي، وقتَ حُزنِـي
وقتَ دراستِـي، وقتَ نَومِي.
آمنتُ بالحبِّ حِينَ رَأيتُك
ومِنْ نظرةٍ أُولى أحْبَبتُك
أحْببتُ الحياةَ بِطَعْمِ حبِّك، يا حبيبِـي البَعِيد
بعيدٌ أنتَ عنْ جسدِي لا عنْ رُوحِي.
v ياسمين بن جدّو، 3 آداب 1، فيفري 2018 v


الثلاثاء، 20 فبراير 2018

أقصوصة: "اِنتصارُ العدل على الظّلم"، شيماء الخيّاطي، 2 آداب 2.

{v اِنْتصَارُ العَدْلِ علَى الظُّلمِ v{
إنّ الرّجلَ هو مَنْ يحترمُ المرأةَ ويكون رجلا لها لا عليها ويكون لها بمثابةِ الأخ ليحميَها. ليس الرّجلُ ذاكَ الّذي ينظرُ إلى المرأةِ جسدا وجمالا فقطْ.
في يومٍ مِنَ الأيّام والسّماءُ صافية كعينيْ الرّضيعِ الزرقاويْن، غادرتْ فتاةٌ في الثّلاثين مِنْ عمرِها منزلَ والديْها للعملِ كمعينةٍ منزليّة كيْ تساعدَ أبَاها على مصاعبِ الحياة. ورغمَ أنّها متعلِّمةٌ ومثقّفةٌ فإنّ المسكينةَ خرجتْ للعملِ حتّى لا تحتاجَ مَنْ يُقدِّمُ لها لقمةَ العيشِ.
هي جميلةٌ جدّا: لها وجهٌ كأنّه قمرٌ منيرٌ وخدّان مُكتنِزان كأنّهما تُفّاحتان بلونِ شقائقِ النُّعمانِ وابتسامةٌ كالوردةِ الزّاهية وعيونٌ مثلُ عيونِ الغِزلان وشعرٌ أسودُ كظلامِ اللّيل. كانتْ حائرةً تُكفْكفُ الدّمعَ قبل أنْ يسقطَ ويهزمَ كلَّ هذه الهيبةِ وهذا الجمالِ. كانتْ تتأمّلُ بصمتٍ وتختبئُ خلفَ أسوارِ الابتسامة. لكنّ هذه المسكينةَ وقعتْ فريسةَ ذلك الرّجلِ المغرورِ العديمِ الأخلاق الّذي كانتْ تعملُ في بيته وتهتمُّ بأمِّه المتقاعدة. ورغم أنّها احترمتْ أمّه وعاملتْها كما لو كانتْ أمَّها، فإنّه لم يُقدِّرْ ذلك. لقد اغتصبَها. وهددَّها إذا فضحتْه  بأنْ يكونَ مصيرُ أختِها الصُّغرى كمصيرِها. بكتْ، وتألّمتْ، وتوجّعتْ، وتأوّهتْ. لكنّها مسحتْ دموعَها. وغادرتْ مكانَ العملِ حزينةً كئيبةً إلى منزلها.
لكنّ المصيبةَ الكُبرى كانتْ بانتظارِها. فعند وصولِـها وجدتْ عديدَ الكراسِي أمام البيتِ. لمْ تفهمْ ما حدثَ. ولمْ تعلمْ ما عليها أنْ تفعلَ. ثمّ سمعتْ صياحا وعويلا. فجأة نظرتْ إلى أختِها الصُّغرى تبكِي وتقولُ: «إلى أين ذهبتِ، يا أمّي؟! لِمن تركتِنا؟!». سقطتِ الفتاةُ المسكينةُ أرضا تنتحبُ وتتألّمُ دونَ أنْ تدريَ: أتبكِي حالَها أمْ تبكي فقدانَ أمّها! فالأمُّ هي الصّديقةُ والأختُ وكلُّ شيءٍ جميلٍ في هذه الحياة. لِـمَنْ ستشكِي همومَها؟ لِـمَنْ ستروِي ما جرَى لها؟ بدا وجهُها كئيبا يُشبهُ وجهَ يتيمٍ في ليلةِ العيد. تحدّثَ القمرُ عنْ وحدتِها وهي عاجزةٌ عن إيجادِ حلٍّ. ثمّ يأتي بعد النّهارِ ليلٌ تَتمطَّى فيه الأحزانُ. بكتِ المسكينةُ حتّى جفّتْ عينُها. وردّدَ قلبُها الحزينُ الـمُثقَلُ بالألمِ الحارقِ. هذه المرأةُ مظلومةٌ في المجتمعاتِ الّتي لا تحترمُ المرأةَ. فيا أيُّها الظّالمُ المستبدُّ حبيبُ الظّلامِ عدوُّ الحياةِ، استهنتَ بإنسانٍ ضعيفٍ. وسيأتي يومٌ تحصدُ فيه ما فعلتَ. فالمرأة بِوجعِها وقهِرها صارتْ بألفِ رجلٍ. لمْ تسكتْ على حقِّها. بلْ جمعتْ كلَّ شجاعتِها لتأخذَ حقَّها. فاللهُ في الوجودِ. إذْ بعثَ اللهُ تعالى لتلك الّتي ظلَمَها الوحشُ الآدميُّ رجلاً طيِّبَ القلبِ أحبَّها، واهتمَّ بها، وكان لها بمثابةِ الأخِ والصّديقِ والأب. فعوّضَها عنْ فراقِ أمِّها. ولـمّا روتْ له ما حدثَ معَها، فَتحَ لها قلبَه، وصدّقَها، وشجّعَها على ألاَّ تستسلِمَ. إنّ النّفسَ الحزينةَ المتألّـمةَ تشعرُ بالرّاحةِ عندَ انضمامِها إلى نفسٍ أخرَى تُـماثلها شعورا وتشاركُها إحساسا مثلما يَستأنسُ الغريبُ بالغريبِ في أرضٍ بعيدةٍ عن وطنِهما. كان ذلك الرّجلُ الطّيّبُ صدرًا حنونا للفتاةِ المظلومةِ. فتَّحَ لها عينيْها المنغلقتيْن خوفًا مِنْ ذلك الوحشِ حتّى تستعيدَ شجاعتَها وعزيمتَها اللّتيْن أُفتُكّتَا منها.
وفي النّهايةِ نجحَ ذلك العفيفُ الصّادقُ في إقناعِ الفتاةِ بأخذِ حقِّها. وعُوقبَ الشّرّيرُ أشدَّ العقوباتِ عنْ طريقِ القانون الذي اقتصَّ لها مِنَ الـمُعتدِي. أمّا العقوبةُ الثّانيةُ فهيَ أنّه حُرِمَ مِنْ رضاءِ أمّه الّتي جرّدتْه منْ كلِّ الإرث كيْ يكونَ عبرةً لِكلِّ مَنْ يُفكّر في الإطاحةِ بامرأةٍ عفيفةٍ. لقد انتصرَ الحقُّ على الظّلمِ لأنّ فتاتَنا طاهرةٌ عفيفةٌ بريئةٌ كبراءةِ الذّئب مِنْ دمِ يوسفَ. وعاشتْ سعيدةً مع الرّجلِ الشّهمِ الّذي أكرمَه اللهُ بأمانةِ الدّفاعِ عنْ إنسانةٍ مقهورةٍ. إنّ الحبَّ الّذي تغسلُه العيونُ الصّادقةُ بدموعِها يظلُّ طاهرا جميلا خالدا.
 {v شيماء الخيّاطي، 2 آداب 2، فيفري 2018 v{      


زهورٌ ربيعيّةٌ، 2018.03.10، تونس.
عدسةُ: فوزيّة الشّطّي.