الأحد، 25 مارس 2018

مقال: "بِمَ أفكّرُ؟"، سلمى خالدي، 3 آداب 2.

ÿ بِمَ أُفكِّر؟ ÿ
لعلّني الآن تحديدا أفكِّر في الموضوع الّذي يَهمُّ بعضَ النّاسِ ويُعتبر تافها لدى البعضِ الآخر. ولكن كمْ شخصًا تساءلَ عنْ كَمْ مِنْ حياةٍ نحيا؟! المزعجُ في الموضوع هو أنّنا نعيشُ حياةً واحدة. والأكثرُ إزعاجا هو أنّنا نقضِيها في ستِّ (6) سنواتِ دراسةٍ في الابتدائيّ وثلاثِ (3) سنواتٍ في الإعداديّ وأربعِ (4) سنواتٍ في الثّانويّ إضافةً إلى عددٍ آخرَ لا مُتناهٍ من السّنوات في الجامعةِ.
المشكلةُ ليستْ في الدّراسة. إنّـما في كيفيّةِ الدّراسة وكمّيّتِها. أوّلا: نحنُ نستقبلُ عامَنا الأوّلَ بِالامتحانات أيْ بِبرمـجةِ عقلِ التّلميذ على تعلُّمِ العملِ تحت الضّغط وفي ضيقِ الوقت، في حين أنّه في بلدانٍ أخرَى يستقبلُ التّلميذُ سنواتِه الثّلاثِ الأولى في دراسةِ مادّةٍ فقط، وهي الأخلاقُ. فنجدُ جيلا مُتقدِّما بثلاثِ سنواتٍ مِنَ الدّراسةِ وإعمالِ العقل مُتأخِّرا عن الـمُتأخِّرين بتلك السّنوات. ليس الهدفُ هو المقارنةُ، إنّما إبرازُ نسبةٍ صغيرة مِن الجهلِ. ثانيا: على التّلميذِ أنْ يختارَ شعبتَه أو اختصاصَه منذ المرحلةِ الإعداديّةِ. فلا يتوجّبُ عليه دراسةُ الموادِّ العلميّة بضاربٍ قويّ في حين أنَّ ميولَه أدبيّةٌ أو العكس. والمشكلُ الثّاني في نظامِ الـ 'إمّا الإفراطُ وإمّا التّفريطُ' هو أنّه حين يختار التّلميذُ شعبةً أدبيّة تُلغى نهائيّا الموادُّ العلميّةُ أيْ يحدثُ ركودٌ لِلعقل ونقصٌ في الثّقافةِ العامّة أوّلا. ثمّ ماذا عن الإحدَى عشرةَ (11) سنةً الّتي أدرسُ فيها الرّياضيّات والعلوم الطّبيعيّة وغيرها ثانيا؟ هل انتهتْ بكلِّ بساطة؟! هذا إضافةً إلى الشُّعب العلميّة الّتي يتوجّبُ فيها حفظُ لا أدري كمْ صفحةً لإجراءِ فرضِ تاريخٍ. الغريبُ في الأمر هو أنْ لا شيءَ مِنْ هذه 'الثّقافة' يرسخُ في الأذهانِ. والعجيبُ هو أنّ الثّقافةَ العامّةَ أُعطيتْ لمثل هذه الشّعبِ. أمّا شعبةُ الآداب فـ 'إلى الجحيم'.
الحلُّ، حسْبَ رأيْي، هو: تركُ الموادِّ العلميّةِ في الشُّعب الأدبيّة، ولكن بضاربٍ خفيف وتقليلُ كمّيّةِ دروسِ الموادّ الأدبيّة بالنّسبة إلى الشُّعب الأخرى وتبسيطُ الفروضِ على طريقة الـQCM  (هو امتحانٌ يتضمّنُ مجموعةَ أسئلةٍ، مع كلِّ سؤالٍ منها مجموعةُ أجوبةٍ على التّلميذِ اختيارُ الإجابةِ الصّحيحة) مثلا.
لعلّ ما قلتُه سابِقا لا يمثِّلُ إلاّ جزءًا صغيرا مِن سلبيّات كيفيّةِ الدّراسة. نواصلُ الآن مع مشكلِ الكمّيّةِ. فهل مِنَ المعقولِ أنْ يدرسَ التّلميذُ مِن الثّامنةِ (8) صباحا الى الخامسةِ (5) مساءً؟ هذا تكديسُ كمٍّ هائلٍ مِن الدّروسِ في يومٍ واحد فقط. الأدهَى والأمرُّ هو أنّ أغلبَ الأساتذةِ يَطلبون منّا إنجازَ التّمارين والبحوثِ والمقالات لِليوم الموالي. النّتيجةُ درستُ ثمانِي (8) ساعاتٍ في اليوم، وارتحتُ ساعةً فقط؟ فغيرُ مهمٍّ أنْ تكونَ لديك هوايةٌ أو نشاطٌ مّا؟! غيرُ مهمٍّ أيضا أنْ تريدَ النّومَ والرّاحةَ كأيِّ إنسانٍ عاديّ؟! المهمُّ هو المهمُّ ألاَّ تتأخّرَ في المجِيء وألاّ تتغيّبَ بحجّةِ المرض. هل يمرضُ الإنسان؟! طبعا لا. هل تعانِي شركاتُ النّقلِ العظيمةُ لديْنا مشاكلَ التّأخير؟ طبعا لا.
لِلأسفِ نحن التّلاميذَ، نعانِي عدّةَ صعوباتٍ وضغوطٍ. والمطلوبُ ألاّ ننفعلَ وأنْ نقبلَ الوضعَ السّائدَ كما هو. علينا قبولُ إضراباتِ الأساتذة وحجبِ بطاقات الأعداد برحابةِ صدرٍ. فكلُّ هذا التّمرّدِ، حسْب كلامهم، مِنْ أجلِ مصلحةِ التّلميذ. ولكن، عذرا، هل تذكّرتم المعاناةَ المأساويّة للتّلميذ الآن؟ كفانا تشويها للحقيقة. الإصلاحُ يجب أن يكونَ مع الأجيال القادمة. أمّا نحن، 'فئرانَ تجاربِ' هذا الجيلِ فقد اكتفيْنا، رجاءً.
ÿ سلمى خالدي، 3 آداب 2، مارس 2018 ÿ


زهورٌ برّيّة، تونس، مارس 2018، عدسة: فوزيّة الشّطّي

ليست هناك تعليقات: