{v اِنْتصَارُ
العَدْلِ علَى الظُّلمِ v{
إنّ
الرّجلَ هو مَنْ يحترمُ المرأةَ ويكون رجلا لها لا عليها ويكون لها بمثابةِ الأخ
ليحميَها. ليس الرّجلُ ذاكَ الّذي ينظرُ إلى المرأةِ جسدا وجمالا فقطْ.
في
يومٍ مِنَ الأيّام والسّماءُ صافية كعينيْ الرّضيعِ الزرقاويْن، غادرتْ فتاةٌ في
الثّلاثين مِنْ عمرِها منزلَ والديْها للعملِ كمعينةٍ منزليّة كيْ تساعدَ أبَاها
على مصاعبِ الحياة. ورغمَ أنّها متعلِّمةٌ ومثقّفةٌ فإنّ المسكينةَ خرجتْ للعملِ
حتّى لا تحتاجَ مَنْ يُقدِّمُ لها لقمةَ العيشِ.
هي
جميلةٌ جدّا: لها وجهٌ كأنّه قمرٌ منيرٌ وخدّان مُكتنِزان كأنّهما تُفّاحتان
بلونِ شقائقِ النُّعمانِ وابتسامةٌ كالوردةِ الزّاهية وعيونٌ مثلُ عيونِ
الغِزلان وشعرٌ أسودُ كظلامِ اللّيل. كانتْ حائرةً تُكفْكفُ الدّمعَ قبل أنْ
يسقطَ ويهزمَ كلَّ هذه الهيبةِ وهذا الجمالِ. كانتْ تتأمّلُ بصمتٍ وتختبئُ خلفَ
أسوارِ الابتسامة. لكنّ هذه المسكينةَ وقعتْ فريسةَ ذلك الرّجلِ المغرورِ
العديمِ الأخلاق الّذي كانتْ تعملُ في بيته وتهتمُّ بأمِّه المتقاعدة. ورغم
أنّها احترمتْ أمّه وعاملتْها كما لو كانتْ أمَّها، فإنّه لم يُقدِّرْ ذلك. لقد
اغتصبَها. وهددَّها إذا فضحتْه بأنْ
يكونَ مصيرُ أختِها الصُّغرى كمصيرِها. بكتْ، وتألّمتْ، وتوجّعتْ، وتأوّهتْ.
لكنّها مسحتْ دموعَها. وغادرتْ مكانَ العملِ حزينةً كئيبةً إلى منزلها.
لكنّ
المصيبةَ الكُبرى كانتْ بانتظارِها. فعند وصولِـها وجدتْ عديدَ الكراسِي أمام
البيتِ. لمْ تفهمْ ما حدثَ. ولمْ تعلمْ ما عليها أنْ تفعلَ. ثمّ سمعتْ صياحا
وعويلا. فجأة نظرتْ إلى أختِها الصُّغرى تبكِي وتقولُ: «إلى
أين ذهبتِ، يا أمّي؟! لِمن تركتِنا؟!».
سقطتِ الفتاةُ المسكينةُ أرضا تنتحبُ وتتألّمُ دونَ أنْ تدريَ: أتبكِي حالَها
أمْ تبكي فقدانَ أمّها! فالأمُّ هي الصّديقةُ والأختُ وكلُّ شيءٍ جميلٍ في هذه
الحياة. لِـمَنْ ستشكِي همومَها؟ لِـمَنْ ستروِي ما جرَى لها؟ بدا وجهُها كئيبا
يُشبهُ وجهَ يتيمٍ في ليلةِ العيد. تحدّثَ القمرُ عنْ وحدتِها وهي عاجزةٌ عن
إيجادِ حلٍّ. ثمّ يأتي بعد النّهارِ ليلٌ تَتمطَّى فيه الأحزانُ. بكتِ المسكينةُ
حتّى جفّتْ عينُها. وردّدَ قلبُها الحزينُ الـمُثقَلُ بالألمِ الحارقِ. هذه
المرأةُ مظلومةٌ في المجتمعاتِ الّتي لا تحترمُ المرأةَ. فيا أيُّها الظّالمُ
المستبدُّ حبيبُ الظّلامِ عدوُّ الحياةِ، استهنتَ بإنسانٍ ضعيفٍ. وسيأتي يومٌ
تحصدُ فيه ما فعلتَ. فالمرأة بِوجعِها وقهِرها صارتْ بألفِ رجلٍ. لمْ تسكتْ على
حقِّها. بلْ جمعتْ كلَّ شجاعتِها لتأخذَ حقَّها. فاللهُ في الوجودِ. إذْ بعثَ
اللهُ تعالى لتلك الّتي ظلَمَها الوحشُ الآدميُّ رجلاً طيِّبَ القلبِ أحبَّها،
واهتمَّ بها، وكان لها بمثابةِ الأخِ والصّديقِ
والأب. فعوّضَها عنْ فراقِ أمِّها. ولـمّا روتْ له ما حدثَ معَها، فَتحَ لها
قلبَه، وصدّقَها، وشجّعَها على ألاَّ تستسلِمَ. إنّ النّفسَ الحزينةَ المتألّـمةَ
تشعرُ بالرّاحةِ عندَ انضمامِها إلى نفسٍ أخرَى تُـماثلها شعورا وتشاركُها إحساسا
مثلما يَستأنسُ الغريبُ بالغريبِ في أرضٍ بعيدةٍ عن وطنِهما. كان ذلك الرّجلُ
الطّيّبُ صدرًا حنونا للفتاةِ المظلومةِ. فتَّحَ لها عينيْها المنغلقتيْن خوفًا
مِنْ ذلك الوحشِ حتّى تستعيدَ شجاعتَها وعزيمتَها اللّتيْن أُفتُكّتَا منها.
وفي
النّهايةِ نجحَ ذلك العفيفُ الصّادقُ في إقناعِ الفتاةِ بأخذِ حقِّها. وعُوقبَ
الشّرّيرُ أشدَّ العقوباتِ عنْ طريقِ القانون الذي اقتصَّ لها مِنَ الـمُعتدِي. أمّا
العقوبةُ الثّانيةُ فهيَ أنّه حُرِمَ مِنْ رضاءِ أمّه الّتي جرّدتْه منْ كلِّ
الإرث كيْ يكونَ عبرةً لِكلِّ مَنْ يُفكّر في الإطاحةِ بامرأةٍ عفيفةٍ. لقد انتصرَ
الحقُّ على الظّلمِ لأنّ فتاتَنا طاهرةٌ عفيفةٌ بريئةٌ كبراءةِ الذّئب مِنْ دمِ
يوسفَ. وعاشتْ سعيدةً مع الرّجلِ الشّهمِ الّذي أكرمَه اللهُ بأمانةِ الدّفاعِ
عنْ إنسانةٍ مقهورةٍ. إنّ الحبَّ الّذي تغسلُه العيونُ الصّادقةُ بدموعِها يظلُّ
طاهرا جميلا خالدا.
{v شيماء الخيّاطي،
2 آداب 2، فيفري 2018 v{
|
نعملُ على نشر الإبداعات المتنوّعة (سرد قصصيّ، شعر، خاطرة، مقال، رسم، تصوير فوتوغرافيّ...) الّتي أنتجها التّلاميذُ والإطارُ التّربويّ في "معهد قرطاج حنّبعل" بمندوبيّة تونس1 في السّنة الدّراسيّة الحاليّة: 2017-2018.
الثلاثاء، 20 فبراير 2018
أقصوصة: "اِنتصارُ العدل على الظّلم"، شيماء الخيّاطي، 2 آداب 2.
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق