الخميس، 26 أكتوبر 2017

مقال: "الكائنُ الأنانيّ"، جزال القاسمي، 2 آداب 2.

الكائنُ الأنانيُّ
أيّها الرّجلُ الـمُتكبّرُ والّذي يعتقدُ نفسَه 'مثقّفا'،
أظنُّ أنّك 'مثقَّفٌ' فعلا لكنْ 'بالمفهومِ الرّجعيّ'.
 ألا تشُكُّ أحيانا في أنّك مُتخلِّفٌ، أيّها الرّجلُ الدّارسُ في أرقَى الجامعات والزّاعمُ أنّك الوحيدُ القادرُ على إدارة الشّركات؟! بيدَ أنّكَ في الحقيقةِ لا تَعرفُ حتّى كيفَ تُرتّبُ غُرفتَك وتُرصِّف ثيابَك.
أيّها الرّجلُ، أنت تَـمْنعُ زوجتَك مِنَ العملِ وتَحبسُها في البيتِ مخافةَ أنْ تخُونَك. يا 'عقلَ النّمْلِ'، ألَـمْ تتساءلْ يومًا ما الّذي دَفعَ زوجتَك لِتعملَ؟! إنّها تُناضل لِكَيْ تُعينَك وتُوفِّرَ لكَ ولأولادِكما بيئةَ عيشٍ أحسنَ. إنّها لا تُريدُ أنْ تَغْترَّ. إنّما تُريدُ إعانتَك ومشاركتَك مَصاريفَ البيتِ.
أيّها المستبِدُّ، ألَـمْ تتساءَلْ لحظةً عمّا تَفعلُ زوجتُك في المنزلِ؟! أتظنُّ أنّها تُشاهِدُ المسلسلاتِ التّافهةَ أو تَتبرّجُ طوالَ الوقتِ؟! ألا تتساءَلُ عن ذلك عندمَا تعودُ الى بيتِكَ وتَجدُ غرفتَك مُرتّبةً وثيابَك نظيفةً وعشاءَك جاهِزا؟! هل تظنُّ أنّ الجانَ قدْ فعلَ كلَّ هذا؟! أو ربّـما تحسبُها الملائكةَ؟! نعم، إنّها 'الملائكةُ': إنّها زوجتُك. وفي نهاية الأمرِ تقولُ أنّك أقوَى مِنَ المرأة.
لكنّي أعتقدُ حقّا أنّ الرّجلَ لا يَنزِف كُلَّ شهر مدّةَ أسبوعٍ ولا يَحمِلُ الجنينَ ولا يَلِدُ ولا يُرضِعُ. وهو أيضا لا يُنجزُ شؤونَ المنزلِ. المرأةُ هي مَن تفعلُ جميعَ ذلك.
هل ولدتْكَ أمُّك وربّتْك حتّى تصيرَ رجلا يَـحتقرُ النِّساءَ؟! أُمُّك الّتي حَـملتْكَ تسعةَ أشهرٍ في رحمِها وتَحمّلتْ آلامَ المخاضِ وأرضعتْك ورَبّتْك ودرّستْك كيْ تُصبح 'مثقّفا': أتَراهَا «ضعيفةً وجبانةً» شأنُها شأنُ باقي النّساء؟! أُمُّكَ وأُختُكَ الّتي طالما أَعانتْك على توفيرِ كُلِّ ما تحتاجُه وزوجتُك وابنتُك وصديقتُك ومعلِّمتُك وجدّتُك وخالتُك... هل يَقْبَلْنَ أنْ تقولَ عنهُنّ ذلك؟!
آهٍ! يا نِساءُ، ما أرقَّ قلوبَكُنّ! وما أطيبَ نُفوسَكُنّ!
وأنتَ، أيّها الرّجلُ العاطِلُ عن العملِ الجالسُ في المقهَى،
أتُرسل زوجتَك المناضِلةَ الكادِحةَ كيْ تعملَ في الفلاحة وتعتنِـيَ بالحيواناتِ والنّباتاتِ. ثُـمَّ تَفتكُّ مِنْها أُجرتَها وتُعنِّفُها وتَشتمُها بأنكرِ الكلماتِ؟! وهي، رغمَ كُلِّ هذا تُـحبّكَ بل تُقدِّسُك كَما لو أنّك 'إلهٌ'. ماذا كنتَ سَتفعلُ لوْ كان زوجُ أُختِكَ يُعاملها بِـمثلِ هذه الطّريقةِ؟!
وأنتَ، أيّها الفتَى الصُّعلوكُ، لكَ أنْ تُدخّنُ كما تشاءُ. فهذا، طبْعا، حلالٌ على الشّبّانِ والرّجال. أمّا إذا دَخّنتْ فتاةٌ أو امرأة فتُعتبَر 'مُنحرفة'. ماذا بِكَ، أيّها الفتَى الّذي يَرتادُ الملاهيَ ويُعاقِرُ الخمرَ ويُقامِر ويستهلكُ المخدِّرات ويُصاحبُ النّساءَ ويُنفق مالا وفيرا في ليلةٍ واحدة مع فتاةٍ مّا لِيُهينَها بعد ذلك ويَفضحَ أمْرَها ويسبَّها؟! طبعا، هذا سلوكٌ مقبُول اجتماعيّا لأنّه شابٌّ يحقّ له أن يستمتعَ بوقته كيفما شاء! أمّا الفتاةُ، فإنْ قضّتْ دقيقةً واحدةً مع شابٍّ دون أن يَرتكِبا أيَّ مُنكَر، صارتْ سيّئةَ السُّمعةِ. وقد لا يَتزوّجُها مُستقبَلا أيُّ رجلٍ محتَرم. وحتّى إنِ اغْتُصِبتْ المرأةُ فإنّها تَتحمّلُ الذّنبَ كُلَّه وحدَها. بل كثيرا ما يُقال: إنّها هي الّتي أغْرت المجرِمَ السّفّاحَ.
أيّها الرّجلُ، تَعلّمْ كيف تحترمُ المرأةَ. ثمّ قُلْ عن نفسك: 'مثقّفٌ'.
جزال القاسمي [2 آداب 2]: أكتوبر 2017


ليست هناك تعليقات: